حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
174
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
ذلك كله فقال : إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ الآية . وذلك أن واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في جميع صفاته ولن يكون كذلك إلا إذا كان غنيا عن الحاجات متصفا بكل الكمالات أهلا للحمد وإن لم يكن حامدا . قوله : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ يحتمل أن يكون خطابا من موسى لقومه والغرض تخويفهم بمثل هلاك من تقدم من القرون فيكون داخلا تحت التذكير بأيام اللّه ، واحتمل أن يكون مخاطبة من اللّه على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى قاله أبو مسلم . والأكثرون على أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول صلى اللّه عليه وسلم تحذيرا لهم عن مخالفته . وقوله : وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ إن كان جملة من مبتدأ وخبره فالمجموع اعتراض وإن كان قوله : وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ معطوفا على قوم نوح فقوله : لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ وحده اعتراض . ثم إن عدم العلم إما أن يكون راجعا إلى صفاتهم بأن تكون أحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم غير معلومة ، وإما أن يكون عائدا إلى ذواتهم بأن يكون فيما بين القرون أقوام ما بلغنا أخبارهم كما روي عن ابن عباس : بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون . وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال : كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى اللّه علمها عن العباد . ونظير الآية قوله : وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [ الفرقان : 38 ] مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [ غافر : 78 ] قال القاضي : وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع بمقدار السنين من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الوقت لأنه لو أمكن ذلك لم يبعد تحصيل العلم بالأنساب الموصولة . ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام أنهم لما جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أتوا بأمور أحدها فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وفيه قولان : أحدهما أن المراد باليد والفم الجارحتان ، وعلى هذا فيه احتمالان : الأول أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظا وضجرا مما جاءت به الرسل كقوله : عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [ آل عمران : 119 ] . قاله ابن عباس وابن مسعود وهو الأظهر ، أو وضعوا الأيدي على الأفواه ضحكا واستهزاء كمن غلبه الضحك ، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن قفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث قاله الكلبي ، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق ، وهذا قول قويّ لعطف قوله : وَقالُوا على قوله : فَرَدُّوا الاحتمال الثاني : أن تكون الضمائر راجعة إلى الرسل والمراد أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم أرادوا أنهم لا يعودون إلى ذلك الكلام البتة ، أو يكون الضميران الأخيران راجعين